حرب الاستنزاف
![]() |
| حرب الاستنزاف - حرب اقتصادية قبل أن تكون عسكرية |
في المقال السابق حكينا عن إعادة بناء الجيش, واليوم نحكي عن أول اختبار حقيقي له, وهو حرب الاستنزاف, الحرب التي أرادت مصر منها أن تُرهق إسرائيل, بينما كان اقتصادها هي نفسه تحت الضغط.
فكرة الاستنزاف
تذكر الموسوعة البريطانية (بريتانيكا) أن مصر هي من بدأت هذه الحرب بهدف إضعاف إسرائيل عبر مواجهة طويلة, وأنها أنهت وقف إطلاق النار في مارس 1969. وتضيف ويكيبيديا العربية أن عبد الناصر كان يعتقد أن القصف المتكرر وغارات الصاعقة سيجبران إسرائيل على إبقاء أعداد كبيرة من جنود الاحتياط في الخدمة طوال الوقت, وهذا له أثر كبير علي اقتصادها. يعني الفكرة نفسها اقتصادية: رفع تكلفة الاحتلال علي الطرف الآخر.
الثمن في مدن القناة
أكبر فاتورة دفعها المدنيون. فمقال بحثي عن التهجير في مصر, يستند إلى دراسات ووتربري وأبو لغد, يذكر أن مدن بورسعيد والإسماعيلية والسويس خرج منها بين ثلاثة أرباع المليون ونحو مليون شخص, وبقي كثير منهم بعيداً عن بيوتهم لسنوات. وتحكي المصري اليوم عن "المستبقين", وهم موظفون وعمال ومهندسون بقوا في المدن لتشغيل محطات المياه والكهرباء وتأمين منشآت هيئة قناة السويس. يعني الحرب كلفت اقتصادياً ليس فقط في السلاح, بل في مصانع وبيوت وخدمات توقفت.
أثر الحرب على النمو
يذكر تقرير للبنك الدولي من تلك الفترة أن نمو الاقتصاد المصري تباطأ من نحو 6.5% سنوياً في 1961-1965 إلى نحو 3.3% في 1966-1970. وتؤكد مجلة السياسة الدولية الاتجاه نفسه, إذ تقول إن النمو كان معقولاً في أوائل الستينيات ثم توقف بين 1967 و1974. وللتوسع في معنى التنمية الاقتصادية يمكنك قراءة المفهوم عندنا, لأن ما حدث هنا هو أن موارد التنمية ذهبت للدفاع.
من أين جاء التمويل؟
بحسب السياسة الدولية, كانت الدول العربية المصدر الأساسي للمعونات بعد 1967, فحصلت مصر من السعودية والكويت وليبيا على منح بمتوسط نحو 286 مليون دولار سنوياً, وهو ما يقارب متوسط معونات الكتلتين الغربية والشرقية معاً قبل 1968. وفي الداخل استمرت إجراءات اقتصاد الحرب, من تأجيل المشروعات طويلة الأجل إلى الاعتماد على المنتج المحلي, بسبب العجز الذي ضغط على الاحتياطيات الرسمية من النقد الأجنبي.
النهاية
انتهت الحرب بوقف إطلاق نار برعاية أمريكية قبلته الأطراف في أغسطس 1970 حسب بريتانيكا, وهو ما تسميه ويكيبيديا قبول مبادرة روجرز, ولم تُحل الخلافات الأساسية. وبقي أن مصر خرجت بجيش أعيد تدريبه وجبهة داخلية صمدت, وهو موضوع مقالنا القادم عن اقتصاد الصمود.

تعليقات
إرسال تعليق