القائمة الرئيسية

الصفحات

حكايات من النصر إلى الأرض | من جنيف إلى فض الاشتباك: أول خطوة في طريق استرداد الأرض - أخبار اقتصادية

من وقف إطلاق النار إلى فض الاشتباك: الحرب بتخلص والتفاوض يبدأ

فض الاشتباك بين مصر وإسرائيل: السادات وكيسنجر في مفاوضات ما بعد حرب أكتوبر

السادات وكيسنجر خلال مفاوضات ما بعد حرب أكتوبر (المصدر: صفحة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية على Flickr - ملكية عامة)

في 22 أكتوبر 1973 اجتمع مجلس الأمن وأصدر القرار 338 بوقف إطلاق النار بين مصر وإسرائيل، وهو القرار الذي صاغته أمريكا والاتحاد السوفييتي معا بعد وساطة مكثفة، وفقا لما توثقه وزارة الخارجية الأمريكية (مكتب المؤرخ) وسجلات الأمم المتحدة. إسرائيل استمرت في التقدم، فرجع المجلس وأصدر قرارا ثانيا ثم ثالثا هو القرار 340 في 25 أكتوبر، الذي طالب بالانسحاب لمواقع 22 أكتوبر وأرسل مراقبين وقوات دولية لمراقبة الهدنة، وحينها فقط توقف القتال فعليا، كما يروي مكتب المؤرخ الأمريكي بالتفصيل.

لكن وقف إطلاق النار كان مجرد بداية. الجيشان المصري والإسرائيلي كانا متشابكين على ضفتي قناة السويس، والجيش الثالث محاصر، والمدنيون في خطر. هنا بدأت أول مفاوضات عسكرية مباشرة بين مصر وإسرائيل منذ عقود، في خيمة عند «الكيلو 101» على طريق القاهرة السويس. وفي 11 نوفمبر 1973 وقّع الجانبان «اتفاق النقاط الست» لتثبيت وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى وإدخال الإمدادات، وهو ما وثقته صحيفة نيويورك تايمز في عدد اليوم التالي، وتؤكده وثائق الخارجية الأمريكية (مكتبة فراس FRUS).

مؤتمر جنيف 1973: أول طاولة تفاوض بعد الحرب

بعد أيام من اتفاق الكيلو 101، تبنى مجلس الأمن القرار 344 في 15 ديسمبر 1973 لتجهيز مؤتمر سلام دولي، حسب سجل الأمم المتحدة الخاص بالقضية الفلسطينية (UNISPAL). وفي 21 ديسمبر 1973 افتتح مؤتمر جنيف برعاية الأمين العام للأمم المتحدة وبرئاسة مشتركة من أمريكا والاتحاد السوفييتي، وحضره وزراء خارجية مصر والأردن وإسرائيل، بينما بقي مقعد سوريا فارغا احتجاجا على عدم دعوة منظمة التحرير الفلسطينية، كما تروي المراجع التاريخية للمؤتمر نقلا عن وليام كوانت في كتابه «عملية السلام».

المؤتمر في حد ذاته لم يخرج باتفاق؛ كل وزير ألقى كلمته بالأساس لجمهوره الداخلي ثم رُفعت الجلسة. لكن كيسنجر قالها بوضوح هناك: الهدف هو السلام، والخطوة الأولى الضرورية هي فض الاشتباك بين الجيشين تمهيدا لتنفيذ القرار 242. وهكذا تحول جنيف من مؤتمر إلى «مظلة» لمسار تفاوضي خطوة بخطوة، بشهادة نص كلمته المنشورة في وثائق المؤتمر.

وكانت عقدة التمثيل الفلسطيني هي السبب المعلن لغياب دمشق: مصر وسوريا أصرتا على حضور منظمة التحرير، بينما رفضتها أمريكا وإسرائيل لأن ميثاق المنظمة لم يكن يعترف بإسرائيل، بحسب المراجع التاريخية للمؤتمر نقلا عن الباحثين عوديد عيران ويورام ميتال. غابت سوريا، وحضر الأردن، وبقي «جنيف» رمزا لمعادلة جديدة: القضية لم تعد تُحسم في الميدان وحده.

فض الاشتباك الأول: اتفاق سيناء 1 في يناير 1974

في 11 يناير 1974 وصل هنري كيسنجر إلى أسوان، حيث كان الرئيس السادات يقضي شتاءه، لتبدأ أشهر «الدبلوماسية المكوكية»: طائرات قصيرة ذهابا وإيابا بين القاهرة والقدس، وهو الاسم الذي أطلقه الصحفيون المرافقون له، وفقا لمكتب المؤرخ بوزارة الخارجية الأمريكية. النقاش دار حول ثلاث نقاط: خط انتشار كل جيش، وحجم مناطق تقليص الأسلحة الثقيلة، ونوع هذه الأسلحة.

بعد ثمانية أيام فقط، وفي 18 يناير 1974، وُقّع اتفاق فض الاشتباك الأول المعروف باسم «سيناء 1»: قوات مصرية وإسرائيلية محدودة العدد يفصل بينها شريط عازل تتمركز فيه قوات الطوارئ الدولية شرق قناة السويس، ووافقت مصر على أغلب الضمانات التي طلبتها إسرائيل. التاريخ والتفاصيل موثقة لدى مكتب المؤرخ الأمريكي، وتؤكدها سجلات الأمم المتحدة عن انتشار القوة الدولية في سيناء.

ومن تفاصيل تلك الأيام التي تكشف براجماتية اللحظة: الإسرائيليون اشترطوا أثناء التفاوض أن تُعيد مصر بناء مدن القناة المدمرة، حتى تكون الكتائب المصرية على الضفة الغربية «رهينة» لحماية المدنيين من أي حرب جديدة، كما يلخص مكتب المؤرخ الأمريكي مناقشات أسوان. وبالفعل تضمن الاتفاق تبادل أسرى الحرب وعودة الحياة تدريجيا لمدن القناة، وهو ما وثقت تفاصيله تغطية نيويورك تايمز لاتفاق الكيلو 101 وملحقاته.

فض الاشتباك على الجبهة السورية وحظر البترول يرفع

كيسنجر كان يعرف أن التقدم على الجبهة السورية هو مفتاح رفع حظر البترول العربي عن أمريكا، بحسب تحليل الخارجية الأمريكية نفسها. المفاوضات السورية الإسرائيلية كانت أصعب بكثير واستمرت شهرا كاملا حول مدينة القنيطرة والتلال المحيطة بها، وكادت تنهار ثلاث مرات، حتى وُقّع الاتفاق في 31 مايو 1974 وعادت القنيطرة للسيطرة السورية المدنية، كما يوثق مكتب المؤرخ الأمريكي.

اقتصاديا، كانت الثمرة الأسرع أن الدول العربية المنتجة للنفط (أوبك) رفعت حظر البترول عن أمريكا في 18 مارس 1974 مع بقاء القرار قيد المراجعة، وفقا للمصدر نفسه. وهكذا ارتبط فض الاشتباك العسكري مباشرة بانفراجة في أزمة الطاقة العالمية التي كانت أثقلت الاقتصاد العالمي منذ أكتوبر 1973، وهي القصة التي رويناها بالتفصيل في حلقتنا عن سلاح البترول.

فض الاشتباك الثاني: اتفاق سيناء 2 في سبتمبر 1975

في 1975 عاد كيسنجر والرئيس الجديد جيرالد فورد لاستكمال المسار. المفاوضات هذه المرة كانت أشد صعوبة، حتى أن فورد أعلن في مارس 1975 «مراجعة» لسياسة أمريكا تجاه إسرائيل حين رأى أن الجانب الإسرائيلي أقل تجاوبا من مصر، قبل أن يتراجع تحت ضغط مجلس الشيوخ، كما تروي الخارجية الأمريكية. وفي أغسطس اقترب الاتفاق، حتى وُقّعت «الاتفاقية المرحلية لسيناء» أو «سيناء 2» في جنيف في 4 سبتمبر 1975.

نص الاتفاق نفسه ينص على أن الخلاف بين البلدين «لن يحل بالقوة العسكرية بل بالوسائل السلمية»، ورتب انسحابا إسرائيليا جديدا شرقا داخل سيناء تحل محله منطقة عازلة دولية، مع ثلاث محطات مراقبة أمريكية مأهولة وثلاثة حقول استشعار إلكترونية، وفقا لنص الاتفاق المنشور وملخص الخارجية الأمريكية. كان هذا أول جزء ملموس من الأرض يعود بالتفاوض بعد الحرب، والتزام مصري إسرائيلي علني بأن طريق الحل هو السياسة لا السلاح.

ما بعد فض الاشتباك: الطريق يتجه نحو القدس

بعد اتفاقيتي فض الاشتباك، تغيرت خريطة المنطقة: قناة السويس عادت للعمل في يونيو 1975 وهي الحكاية التي فصلناها في حلقة عودة القناة والانفتاح من سلسلتنا الأولى، ومصر تحولت تدريجيا من الحضن السوفييتي إلى المسار الأمريكي، حتى أن جنيف 1973 كان آخر مؤتمر تقبل فيه أمريكا بالاتحاد السوفييتي شريكا متساويا في الوساطة، بحسب المراجع التاريخية للمؤتمر.

لكن سيناء ظل معظمها محتلا، والسادات كان يعرف أن «خطوة بخطوة» وحدها لن تعيد الأرض كلها. لذلك كانت خطوته التالية هي الأخطر في القرن: قرار الذهاب بنفسه إلى القدس. لماذا اتخذ السادات هذا القرار، وما الذي كان يدور خلف الكواليس؟ هذا ما نرويه في الحلقة القادمة من «حكايات من النصر إلى الأرض». ويمكنك الرجوع لحكايات الحرب نفسها من فهرس سلسلة من النكسة إلى النصر.

انت الان في اول مقال
reaction:

تعليقات