القناة والانفتاح
![]() |
| رافعات عائمة ألمانية ترفع سفينة غارقة أثناء تطهير قناة السويس سنة 1974 (تصوير البحرية الأمريكية - ملكية عامة) |
في المقال السابق شوفنا سلاح البترول وكيف العرب هزوا اقتصاد العالم من غير طلقة واحدة. لكن بعد ما صوت المدافع سكت، بدأت معركة تانية هادية: معركة إرجاع الحياة لقناة السويس، وبعدها قرار غيّر شكل الاقتصاد المصري كله — الانفتاح. في المقال الأخير من سلسلتنا، نحكي إزاي القناة رجعت تشتغل بعد ثماني سنين من الصمت، وإزاي مصر فتحت بابها للعالم.
ثماني سنين من الصمت
حسب التاريخ الرسمي لهيئة قناة السويس، الملاحة في القناة وقفت بعد حرب 5 يونيو 1967، وفضلت القناة مقفولة ثماني سنين كاملة. الممر المائي اللي كان شريان التجارة العالمية اتحول لخط تماس: سفن غارقة وألغام في المياه، ومدن القناة — بورسعيد والإسماعيلية والسويس — اتهجر أهلها تحت القصف. كل يوم إغلاق كان معناه خسارة رسوم عبور كانت من أهم مصادر العملة الصعبة لمصر، ومعناه كمان إن سفن العالم تلف حوالين رأس الرجاء الصالح وتدفع تكلفة أعلى بكتير.
تطهير القناة: أكبر عملية إنقاذ بحري
قبل ما القناة ترجع، لازم حد يرفع الغرقى وينظف المياه من الألغام. سنة 1974 شهدت عملية تطهير دولية ضخمة، بتوثقها الصور الرسمية للبحرية الأمريكية المنشورة على ويكيميديا كومنز كملكية عامة: مروحيات أمريكية من طراز RH-53D كانت بتكشف الألغام وتجرفها، ورافعات عائمة ألمانية عملاقة رفعت السفن الغارقة واحدة واحدة — زي اللي في صورة مقالنا — وكاسحات ألغام فرنسية وبريطانية شاركت في تمشيط الممر. العالم كله تقريبا ساعد في إرجاع القناة، لأن رجوعها كان مصلحة للكل.
كيلو 101: فك الاشتباك الأول
الطريق للتطهير عدّى من الدبلوماسية. حسب موقع الأمم المتحدة لصنع السلام (UN Peacemaker)، اتفاق فض الاشتباك الأول بين مصر وإسرائيل اتوقع يوم 18 يناير 1974، بعد المفاوضات المشهورة في خيمة كيلو 101 على طريق القاهرة السويس. الاتفاق ده، اللي أشرفت عليه الأمم المتحدة، سحب القوات المتقاتلة بعيد عن بعض وفتح الباب لدخول معدات التطهير وبدء العمل في القناة.
5 يونيو 1975: القناة ترجع للعالم
حسب هيئة قناة السويس، الرئيس أنور السادات أعلن قرار إعادة فتح القناة في خطابه أمام مجلس الشعب يوم 29 مارس 1975. وفي 5 يونيو 1975، بالظبط بعد ثماني سنين من الإغلاق، افتُتحت القناة للملاحة من جديد في احتفالية كبيرة، والسادات قاد أول قافلة سفن بنفسه — المشهد اللي وصفته نيويورك تايمز في عدد 6 يونيو 1975 بعنوان: «المصريون يعيدون فتح القناة وسط الأبهة؛ السادات يقود أول قافلة». وتذكر الهيئة إن القناة اتفتحت بنفس عمقها وقطاعها المائي اللي كانت عليه قبل الإغلاق.
الانفتاح: ورقة أكتوبر وقانون 43
بالتوازي مع تجهيز القناة، كان السادات بيرسم طريق تاني للاقتصاد. حسب أرشيف السادات في جامعة ماريلاند، أصدر في أبريل 1974 «ورقة أكتوبر» اللي رسمت ملامح مرحلة جديدة بعد الحرب. وحسب ويكيبيديا (مقال الانفتاح)، جاء بعدها قانون 43 لسنة 1974 اللي فتح الباب للاستثمار العربي والأجنبي — بداية سياسة الانفتاح الاقتصادي اللي حولت مصر تدريجيا من الاقتصاد الموجه للسوق. الانفتاح جاء مع تحول سياسي كبير: ابتعاد عن الاتحاد السوفييتي وقرب من أمريكا، وطريق سلام وصل لزيارة القدس سنة 1977.
ثمن الانفتاح
الصورة ما كانتش وردية بالكامل، والأمانة تقتضي نحكي النص التاني. حسب ويكيبيديا (مقال الانفتاح)، التطبيق كان أوسع من قدرة الاقتصاد على الاستيعاب، وجزء من المكاسب راح لفئة قريبة من السلطة، بينما الطبقة الوسطى اللي كونها العهد الناصري اتضغطت. والأدهى إن حصة الدولة في الاستثمار فضلت قريبة من 72%، يعني التحول الحقيقي كان أقل من الشعارات. ولما الحكومة أعلنت تخفيض الدعم، انفجرت انتفاضة يناير 1977 المعروفة بانتفاضة الخبز. القصة انتهت باغتيال السادات يوم 6 أكتوبر 1981، في ذكرى الحرب اللي غيّرت كل حاجة.
الخلاصة: من النكسة إلى النصر
وهنا بتقفل سلسلتنا دائرتها. من نكسة 1967 اللي قفلت القناة وكسرت الاقتصاد، لـ يوم العبور اللي رجع الثقة والأرض، لـ 5 يونيو 1975 لما القناة رجعت تشتغل والعالم صفق. الدرس الاقتصادي الأخير: الحرب ممكن تربحها بالسلاح، لكن السلام لازم تستثمره بالاقتصاد — قناة شغالة أفضل من ألف خطاب. ربنا يرحم شهداءنا، وسلام على كل نقطة عرق بنت البلد دي.

تعليقات
إرسال تعليق