سلاح البترول
![]() |
| طوابير البنزين في أمريكا بعد حظر النفط العربي 1973 |
في المقال السابق شوفنا يوم العبور وكيف عبرت مصر القناة في ساعات. لكن المعركة ما كانتش في سيناء وبس. بعد أيام من بدء الحرب، اتفتحت جبهة تانية من غير طلقة واحدة: جبهة النفط. يوم 17 أكتوبر 1973، يعني في مثل هذا اليوم قبل 53 سنة، قرر وزراء النفط العرب استخدام البترول سلاح في وجه كل دولة تدعم إسرائيل. والعالم اهتز.
التحذير اللي محدش صدقه
القصة ما بدأتش يوم 17 أكتوبر. حسب موسوعة الجزيرة، الرئيس أنور السادات لوّح من أول مايو 1973 في خطاب عيد العمال بإن الدول العربية الغنية بالنفط، وعلى رأسها السعودية، وعدت باستخدام سلاح النفط أول ما تبدأ مصر عمليات عسكرية لاستعادة الأراضي المحتلة سنة 1967. وتؤكد بي بي سي عربي، من وثائق بريطانية رُفعت عنها السرية، إن الصحف البريطانية وقتها اهتمت بالتلميح ده ونقلت عن مراقبين إن وقف ضخ النفط هيضر الغرب كله ويجبر واشنطن توقف ضخ السلاح لإسرائيل.
لكن واشنطن كان ليها رأي تاني. تنقل بي بي سي عربي عن تقرير سري للدبلوماسي البريطاني أنتوني بارسونز إن وزير الخارجية الأمريكي ويليام روجرز قال في يونيو 1973 إن "كل الكلام عن استخدام العرب نفطهم سلاحا سياسيا فارغ"، وإنه بلّغ العرب بصراحة إن أمريكا مستحيل تُؤخذ رهينة. الغرور ده هيتكسر بعد شهور قليلة.
خداع في أول أكتوبر
وهنا حلقة من حلقات الخداع المرتبطة بسلسلتنا. حسب الوثائق البريطانية اللي نشرتها بي بي سي عربي (مصدر وحيد لهذه الواقعة)، قبل الحرب بخمسة أيام بالظبط، قال حافظ إسماعيل مستشار الأمن القومي المصري للسفير البريطاني في القاهرة إنه "ليس هناك مصري مسؤول يمكن أن يكون طرفا في وقف ضخ النفط"، واستبعد إن العرب يلجأوا للسلاح ده أصلا. نفس المدرسة اللي خدعت العالم عن موعد الحرب، خدعته عن سلاحها الاقتصادي.
اجتماع الكويت: السعر قبل الحظر
بعد أسبوع من بدء الحرب، وتحديدا يوم 13 أكتوبر، أعلنت أمريكا عن جسر جوي لدعم إسرائيل بالسلاح، حسب موسوعة الجزيرة. الرد العربي جه بسرعة: يوم 16 أكتوبر اجتمع وزراء نفط دول الخليج الأعضاء في أوبك في الكويت. هنا المصادر بتختلف في الرقم: تقول موسوعة الجزيرة إن الاجتماع أقر زيادة حادة في سعر النفط وصلت 70%، بينما تذكر ويكيبيديا بالعربية، ومعها صحيفة نيويورك تايمز في عددها يوم 17 أكتوبر 1973، إن ست دول منتجة رفعت السعر من جانب واحد بنسبة 17% ليصل إلى 3.65 دولار للبرميل. الرقمان معا منشوران، والفرق غالبا في طريقة حساب السعر المعلن مقابل سعر السوق.
17 أكتوبر: القرار التاريخي
وفي اليوم التالي، 17 أكتوبر 1973، اتخذ وزراء النفط العرب قرارهم الأشهر: حظر تصدير النفط للولايات المتحدة وخفض الإنتاج بنسبة 5% كل شهر لحد ما تنسحب إسرائيل من الأراضي المحتلة، حسب موسوعة الجزيرة وويكيبيديا بالعربية. ويوم 19 أكتوبر، مباشرة بعد ما طلب الرئيس نيكسون من الكونغرس 2.2 مليار دولار مساعدات عاجلة لإسرائيل، أعلنت السعودية وليبيا ودول عربية أخرى الحظر الكامل على الصادرات لأمريكا، حسب ما توثقه وزارة الخارجية الأمريكية (مكتب المؤرخ) وموقع الفيدرالي الأمريكي التاريخي.
من 3 دولارات إلى 12
الأرقام هنا تقول كل حاجة. يقول موقع الفيدرالي الأمريكي التاريخي إن سعر البرميل قفز من 2.90 دولار قبل الحظر إلى 11.65 دولار في يناير 1974، يعني قريب من أربعة أضعاف في ثلاثة شهور. موسوعة الجزيرة تحسبها من 2.32 دولار إلى 11 دولارا. وويكيبيديا بالعربية تقول إن الأسعار تضاعفت أربع مرات بحلول 1974 لنحو 12 دولارا. الفرق بين الأرقام راجع لنقطة البداية اللي كل مصدر بيحسب منها، لكن الاتجاه واحد: صدمة ما حصلتش قبل كده.
وفي يوم واحد، 1 نوفمبر 1973، ألغت شركات الطيران الأمريكية 160 رحلة يومية بسبب أزمة الوقود، حسب موسوعة الجزيرة. وفي ستة أسابيع خسرت بورصة نيويورك 97 مليار دولار من قيمة أسهمها، وهو الرقم اللي تتفق عليه موسوعة الجزيرة وويكيبيديا بالعربية.
طوابير وفردي وزوجي
على مستوى الشارع الأمريكي، تصف ويكيبيديا بالعربية المشهد: طوابير طويلة أمام محطات البنزين، ونظام تقنين غريب — صاحب العربية اللي رقم لوحتها فردي يتزود بالوقود في الأيام الفردية بس، والزوجي في الأيام الزوجية. وبعض الولايات استخدمت نظام أعلام بثلاثة ألوان على المحطات: أخضر يعني بنزين متوفر، أصفر يعني تقنين، أحمر يعني مفيش وقود. سعر جالون البنزين للمستهلك ارتفع من 38.5 سنت في مايو 1973 إلى 55.1 سنت في يونيو 1974، حسب نفس المصدر.
الحظر يمتد وأوروبا تراجع حساباتها
الحظر ما وقفش عند أمريكا. توثق وزارة الخارجية الأمريكية إن الحظر امتد لهولندا والبرتغال وجنوب أفريقيا بسبب دعمهم لإسرائيل، وتضيف موسوعة الجزيرة الدانمارك ودولا أخرى للقايمة. هولندا بالذات اتعاقبت لأنها زودت إسرائيل بالسلاح وسمحت للأمريكيين يستخدموا مطاراتها، حسب ويكيبيديا بالعربية. في المقابل، بريطانيا وفرنسا اختاروا الحياد ورفضوا استخدام مطاراتهم لنقل العتاد لإسرائيل، ففضل الإمداد ليهم شبه مستمر، حسب موسوعة الجزيرة وويكيبيديا. وفي مطلع نوفمبر 1973، أصدر وزراء خارجية السوق الأوروبية المشتركة بيانا طالبوا فيه إسرائيل بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة — تذكر موسوعة الجزيرة إن البيان صدر يوم 7 نوفمبر بينما تقول ويكيبيديا إنه كان يوم 6 نوفمبر — وهو التحول اللي كان بيتمناه العرب بالظبط.
متى انتهى الحظر؟
النهاية جت مع الدبلوماسية. تقول وزارة الخارجية الأمريكية إن كيسنجر بدأ مفاوضات موازية مع منتجي النفط ومع مصر وسوريا وإسرائيل، ووصلت لاتفاق فض الاشتباك الأول بين مصر وإسرائيل يوم 18 يناير 1974. بعدها بشهرين تقريبا، أعلن وزراء النفط العرب نهاية الحظر — تذكر ويكيبيديا بالعربية إن الإعلان كان يوم 17 مارس 1974، بينما تقول موسوعة الجزيرة إنه دخل حيز التنفيذ يوم 18 مارس. ليبيا وحدها رفضت إنهاء الحظر مع الباقين، حسب ويكيبيديا.
الدرس الاقتصادي
صدمة 1973 غيرت قواعد اللعبة للأبد. حسب وزارة الخارجية الأمريكية، أمريكا ردت بإنشاء الاحتياطي البترولي الاستراتيجي، وقانون سرعة قصوى 55 ميلا في الساعة على الطرق السريعة، وبعدها وكالة الطاقة الدولية. وحسب الفيدرالي الأمريكي التاريخي، الأزمة فتحت باب الركود التضخمي (Stagflation): أسعار بتطلع ونمو بيوقف في نفس الوقت، وهي الحالة اللي حيرت الاقتصاديين كل السبعينيات. الدرس اللي نقوله دايما في التضخم: لما سلعة أساسية زي الطاقة تتقل، الموجة بتلف كل بيت وكل مصنع.
الخلاصة
سلاح البترول في 1973 ما كانش شعار، كان قرار اقتصادي محسوب: خفض تدريجي 5% كل شهر، حظر على دول بعينها، ورفع سعر منظم. النتيجة: أوروبا غيرت موقفها السياسي، أمريكا عاشت طوابير البنزين، والعرب أثبتوا إن السلعة اللي في إيدهم ممكن تهز أقوى اقتصاد في الدنيا. في المقال الجاي والأخير من السلسلة: ما بعد الحرب، القناة ترجع تشتغل والانفتاح يبدأ.

تعليقات
إرسال تعليق