لماذا يهم هذا الرقم؟ سياق تاريخي لا يمكن تجاهله
![]() |
| أطول حكومة في تاريخ إيطاليا منذ الحرب العالمية |
إيطاليا بلد يُدرس في "كتب العلوم السياسية" كأيقونة عدم الاستقرار، حيث مرت عليها 68 حكومة في ثمانية عقود وهو رقم لا يصدقه العقل حين تدرك أنه يعني تغييراً حكومياً كل 14 شهراً تقريباً. لكن اليوم يقف الاقتصاد الإيطالي على مفترح تاريخي: لأول مرة منذ عام 1945، تملك روما حكومة استمرت أطول من أي سابقة.
السؤال الذي يفرض نفسه ليس مجرد "كيف حدث ذلك؟" بل هل هذا الاستقرار السياسي كافٍ لمعالجة اختلالات اقتصادية تراكمت على مدى عقود؟.
جورجيا ميلوني صاحبة لقب أطول حكومة في تاريخ إيطاليا
في أكتوبر 2022، تولت جورجيا ميلوني رئاسة الحكومة على رأس ائتلاف يميني ثلاثي، وفي 5 سبتمبر 2026، عبَرَ الائتلاف حاجز 1413 يوماً في السلطة — متجاوزاً بيوم واحد الرقم القياسي لحكومة سيلفيو برلوسكوني الثانية مطلع الألفية.
قد يبدو لك "يوماً واحداً" فارقاً رمزياً، لكن في عالم المال والاستثمار الرموز تُترجم إلى أرقام فقد تفاعلت أسواق السندات الإيطالية المعروفة بتقلبها الحساس تجاه أي اهتزاز سياسي بإيجابية ملحوظة مع هذه الفترة من الهدوء النسبي.
الجانب المشرق: ما حققته ميلوني فعلاً؟
لا يمكن إنكار أن حكومة ميلوني استفادت من — وساهمت في — بيئة مالية محسّنة:
وفي خطابها الاحتفالي بمدينة باري الساحلية، تفاخرت ميلوني بإنجازات ملموسة:
- زيادة معدلات التوظيف وخفض البطالة.
- دعم الأسر والشركات.
- تعزيز الأمن الداخلي.
- إدارة "جدية" للمالية العامة.
- استعادة "الثقل والمصداقية" الدوليين لإيطاليا.
لكن السؤال: هل هذه الإنجازات تعادل "الإصلاحات الهيكلية" التي يحتاجها الاقتصاد الإيطالي الراكد؟
الجانب المظلم: اقتصاد إيطاليا "المتعثر" يبحث عن إصلاحات حقيقية
كلمة "راكد" أو "متعثر" التي تكررت في تصريحات قادة إيطاليين سابقين، ليست مجرد وصف عاطفي. إنها تشخيص دقيق لاقتصاد يعاني من تحديات هيكلية عميقة:
1. النمو المتواضع:
إيطاليا لم تُفلح — رغم مواردها وموقعها الجغرافي وتنوع قطاعاتها — في تحقيق معدلات نمو تضعها في مصاف اقتصادات منطقة اليورو المتقدمة.
2. الدين العام:
عبء الدين الإيطالي من بين الأعلى في العالم. والاستقرار السياسي وحده لا يخفض ديوناً — بل يحتاج إلى قرارات مؤلمة: إصلاح الضرائب، تقليص الإنفاق غير المنتج، وتحفيز الإنتاجية.
3. البنية التحتية والإنتاجية:
مناطق جنوب إيطاليا — التي شهدت احتفال باري — لا تزال تعاني من فجوة تنموية كبيرة مقارنة بالشمال. الاستقرار السياسي في روما لا يُرى دائماً في نابولي أو باليرمو.
4. التنافسية الأوروبية:
في ظل منافسة شرسة من ألمانيا وفرنسا — وحتى دول أوروبا الشرقية الصاعدة — لا تكفي "الجدية المالية" لجذب استثمارات طويلة الأجل.
في النهاية نقر أن هناك استقرار يستحق التقدير واقتصاد يستحق الأكثر لا شك أن ما حققته حكومة جورجيا ميلوني — البقاء 1413 يوماً في بلد عانى من 68 حكومة في ثمانية عقود — إنجاز سياسي يستحق التوقف عنده.
فقد كسرت إيطاليا "لعنة" عدم الاستقرار التي لاحقتها منذ أزمة الديون الأوروبية (2010-2012)، وأعادت ثقة المستثمرين إلى سنداتها. لكن — وهذه "لكن" حاسمة — الاستقرار السياسي هو البداية، وليس النهاية.
إيطاليا لا تحتاج إلى حكومة "تبقى" فحسب، بل إلى حكومة "تُصلح"، إصلاحات سوق العمل العميقة، تحديث البنية التحتية، تبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتقليص الفجوة بين الشمال والجنوب — هذه ليست "رغبات" اقتصادية، بل شروط بقاء لاقتصاد ثالث أكبر قوة في منطقة اليورو.

تعليقات
إرسال تعليق