القائمة الرئيسية

الصفحات

حكايات من النصر إلى الأرض | لماذا قرر السادات الذهاب إلى القدس؟ كواليس القرار الأخطر

من «خطوة بخطوة» إلى التفكير في المستحيل

السادات يفتتح دورة مجلس الشعب عام 1977 قبل إعلان قرار الذهاب إلى القدس

السادات يفتتح دورة مجلس الشعب الجديدة عام 1977 (المصدر: رئاسة الجمهورية المصرية عبر ويكيميديا كومنز - ملكية عامة)

في الحلقة الأولى من سلسلتنا وقفنا عند اتفاقيتي فض الاشتباك: أول أرض ترجع بالتفاوض، ووعد علني بأن طريق الحل سياسي لا عسكري. لكن بعد سبتمبر 1975 دخل مسار التسوية في ثلاجة. مؤتمر جنيف الذي انعقد في ديسمبر 1973 لم يجتمع مرة أخرى، لأن كل طرف كان يضع شروطا على التمثيل الفلسطيني وشكل الوفود، كما توثق مراسلات تلك الفترة في وثائق وزارة الخارجية الأمريكية (مكتب المؤرخ). سيناء ظلت محتلة في معظمها، والسادات كان يرى أن الوقت يعمل ضده.

الورقة الأمريكية: 99% من الأوراق

السادات كان قد حسم قناعته مبكرا بأن مفتاح الحل في واشنطن لا في موسكو. في مقابلة مع برنامج «60 دقيقة» على قناة CBS الأمريكية، بثت في 28 مارس 1977، قال عبارته الشهيرة إن الولايات المتحدة تحمل «99% من الأوراق» في الشرق الأوسط، وإنه يعول على الرئيس الجديد جيمي كارتر في «إقناع إسرائيل بالعقل»، كما نقلت وكالة JTA في تغطيتها للمقابلة يومها. وبعد أيام، في 4 أبريل 1977، جلس السادات مع كارتر في البيت الأبيض في أول لقاء بينهما، وخرج اللقاء بانطباع شخصي طيب بين الرجلين، بحسب محضر الاجتماع المنشور ضمن وثائق مكتب المؤرخ الأمريكي.

لكن كارتر كان يحلم بمؤتمر جنيف شامل يحضره الجميع، وهو بالضبط الطريق الذي كان السادات يعرف أنه مسدود بالشروط والشروط المضادة. الداخل المصري كان يضغط أيضا: في يناير 1977 خرجت انتفاضة الخبز بعد رفع أسعار السلع الأساسية، وهو ما توثقه الأهرام والمراجع التاريخية المصرية، فالبلد الذي يجري وراء رغيف الخبز لا يقدر يمول حربا جديدة كل خمس سنوات.

طوال صيف 1977 حاولت واشنطن تحريك الجمود: وزير الخارجية سايروس فانس جاب عواصم المنطقة في جولة مكوكية لترتيب مؤتمر جنيف، لكن كل محاولة لتقريب صيغة التمثيل الفلسطيني كانت تصطدم برفض إسرائيلي أو تحفظ عربي، كما تروي وثائق الخارجية الأمريكية لتلك الشهور. والسادات كان يراقب ويحسب: كل شهر يمر بلا حل يعني سيناء بعيدة شهرا آخر، وميزانية التسليح تلتهم التنمية، والجبهة العربية نفسها تتصدع بين دمشق وبغداد وبيروت. من هنا بدأت فكرة «الخطوة الصادمة» تنضج في رأسه: إذا كانت الإجراءات هي العائق، فلنكسر الإجراءات نفسها.

مفاجأة مايو: اليمين يحكم إسرائيل

في 17 مايو 1977 حدث الزلزال السياسي: حزب الليكود بقيادة مناحيم بيغن فاز في انتخابات الكنيست لأول مرة منذ قيام إسرائيل، منهيا ثلاثين عاما من حكم حزب العمل، كما يسجل الكنيست في أرشيفه الرسمي. بيغن كان معروفا بمواقفه الصلبة وتمسكه بـ«أرض إسرائيل الكاملة»، فتوقع كثيرون أن يتجمد كل شيء. لكن السادات قرأ المشهد بعين مختلفة: زعيم يميني قوي يقدر يوقع ويبيع الاتفاق لجمهوره، تماما كما يقول المثل الأمريكي الشهير عن نيكسون والصين.

القناة السرية: لقاء المغرب

في 16 سبتمبر 1977، وبسرية تامة، التقى وزير خارجية إسرائيل موشيه دايان مع نائب رئيس الوزراء المصري حسن التهامي في المغرب، في لقاء رتبه الملك الحسن الثاني بعيدا عن كل الأضواء. محضر اللقاء المنشور لاحقا في الأرشيف الإسرائيلي، وتعرضه مكتبة Jewish Virtual Library بالتفصيل، يبين أن دايان أوضح موقف بيغن بصراحة: إسرائيل مستعدة للانسحاب من سيناء مقابل سلام كامل، لكنها لن تعود لحدود 1967 في الضفة والجولان. عاد التهامي للقاهرة برسالة واحدة: بيغن جاد، والفرصة موجودة إذا تحرك أحد بجرأة.

خطاب 9 نوفمبر: الجملة التي غيرت المنطقة

ثم جاء يوم 9 نوفمبر 1977. السادات واقف أمام مجلس الشعب في افتتاح دورته الجديدة، وفي نهاية خطاب طويل عن مسار السلام ألقى الجملة القنبلة: إنه مستعد أن يذهب «إلى أقاصي الأرض»، وحتى إلى «الكنيست نفسه»، من أجل حقن دماء أبنائه واستعادة الأرض والحقوق. البرقية التي بعثتها السفارة الأمريكية في القاهرة لواشنطن في الليلة نفسها، والمحفوظة في سلسلة وثائق FRUS، وصفت الختام بأنه «درامي وعاطفي» وأكدت أن السادات عقد العزم على الذهاب للكنيست وألا توقفه إسرائيل ولا أي قوة أخرى ولا الجدل حول الإجراءات. كثيرون في القاعة ظنوها مجرد صياغة بلاغية. السادات كان يقصد حرفيا كل كلمة.

من الكلام إلى الدعوة الرسمية

في مقابلة مع CBS تلاها بأيام، قال السادات إنه مستعد للذهاب إلى القدس ومخاطبة الكنيست في أي وقت إذا تلقى دعوة رسمية، كما وثقت وكالة JTA يومها. بيغن التقط الإشارة: في 12 نوفمبر 1977 وجه دعوة علنية للسادات لزيارة القدس، وصادق عليها الكنيست بأغلبية ساحقة، وسلمها للسفير الأمريكي في تل أبيب صمويل لويس لتصل عبر السفارة الأمريكية في القاهرة، بحسب تغطية نيويورك تايمز يومها ووثائق مكتب المؤرخ الأمريكي. داخل القيادة المصرية لم يكن الجميع متحمسا: وزير الخارجية إسماعيل فهمي قدم استقالته في 15 نوفمبر اعتراضا على القرار، وأُعلنت الاستقالة في 17 نوفمبر، كما تؤكد برقية السفير الأمريكي هيرمان أيلتس المحفوظة في الأرشيف القومي الأمريكي.

لماذا فعلها السادات؟

لو جمعنا الخيوط كلها، يظهر القرار نتيجة حساب دقيق لا نزوة: مسار جنيف ميت إجرائيا، والحرب القادمة مكلفة لبلد يعاني اقتصاديا، والاتحاد السوفييتي لم يعد شريكا يعتمد عليه بعد إلغاء معاهدة الصداقة في 1976، وأمريكا تحمل 99% من الأوراق في عرفه، وبيغن اليميني القوي أثبت في لقاء المغرب السري أنه مستعد لسيناء كاملة مقابل سلام كامل. بقي حاجز واحد: الخوف والحسابات القديمة بين العرب وإسرائيل. راهن السادات على أن خطوة صادمة واحدة تكسر «الحاجز النفسي» الذي وصفه لاحقا بأنه كان 70% من المشكلة كلها.

وكان يعرف الثمن مسبقا: غضب عربي واسع، واتهامات بالخروج على الإجماع، وربما عزلة طويلة. لكنه قالها بوضوح لمن حوله: الأرض أرضنا، ونحن أصحاب القضية الأولى، ومن حقنا أن نقرر كيف نستردها. الأيام التالية ستثبت أن حساباته في الشق العربي كانت أقل دقة بكثير من حساباته في شق القدس، لكن تلك حكاية مقال القطيعة العربية بعد حلقات.

وهكذا اتخذ القرار. في 19 نوفمبر 1977 أقلعت الطائرة المصرية من القاهرة متجهة إلى مطار اللد، لتبدأ أشهر 44 ساعة في تاريخ المنطقة الحديث. كيف استقبلت إسرائيل خصم الأمس، وماذا دار خلف أبواب القدس؟ هذه حكاية الحلقة القادمة من «حكايات من النصر إلى الأرض». ويمكنك الرجوع لحكايات حرب أكتوبر نفسها من فهرس سلسلة من النكسة إلى النصر.

reaction:

تعليقات