القائمة الرئيسية

الصفحات

عجز الميزانية السعودية في الربع الثالث: لماذا لم تكف زيادة الإيرادات غير النفطية؟ - أخبار اقتصادية


عجز الميزانية السعودية بين الإيرادات والمصروفات والتمويل

عجز الميزانية السعودية في الربع الثالث

ما الذي تقوله أرقام الربع الثالث؟

قد تقرأ خبرين في اليوم نفسه: الإيرادات غير النفطية السعودية ارتفعت، والميزانية ما زالت تسجل عجزا. لا يوجد تناقض هنا. زيادة أحد مصادر الدخل لا تعني بالضرورة أن مجموع الإيرادات غطى المصروفات، ولا أن كل بنود الإيرادات زادت. القراءة المفيدة تبدأ من الفترة التي يصفها الرقم، ثم تنتقل إلى مكونات الإيراد والإنفاق وكيف جرى تمويل الفارق.

بحسب تقرير وزارة المالية للربع الثالث من 2026، بلغت إيرادات هذا الربع نحو 259.1 مليار ريال، مقابل مصروفات 343.4 مليار ريال، وعجز يقارب 84.3 مليار ريال. أما عجز الأشهر التسعة الأولى فبلغ 244.3 مليار ريال. الرقم الأول يخص ثلاثة أشهر، والثاني يجمع الفترة من بداية السنة إلى نهاية سبتمبر. خلطهما يحول الخبر إلى مقارنة غير صحيحة قبل أن يبدأ التحليل.

لماذا لم تعوض الإيرادات غير النفطية تراجع النفط؟

بلغت الإيرادات غير النفطية في الربع الثالث 142.6 مليار ريال، بزيادة سنوية تقربها الوزارة إلى 20%. وفي المقابل هبطت الإيرادات النفطية إلى 116.5 مليار ريال، بانخفاض 23% عن الربع نفسه من 2025. لذلك تجاوز الدخل غير النفطي الدخل النفطي داخل هذا الربع، لكنه لم يمنع تراجع إجمالي الإيرادات من 269.9 إلى 259.1 مليار ريال، بنحو 4%.

الحساب يشرح الفكرة: تحسن الجانب غير النفطي بنحو 23.6 مليار ريال، بينما انخفض الجانب النفطي بنحو 34.3 مليار ريال. أي أن الزيادة لم تعوض النقص بالكامل. هذه فروق محسوبة من جداول التقرير المقربة إلى ملايين الريالات، وليست تقديرا مستقلا لسعر النفط أو حجم الإنتاج.

ولا يصح اختصار نمو الإيرادات غير النفطية في عبارة أن الضرائب ارتفعت بالنسبة نفسها. يبين التقرير أن الضرائب على السلع والخدمات زادت نحو 1% في الربع، بينما ارتفع بند الإيرادات الأخرى 68%. هذا البند أوسع من الضرائب، ويشمل، بحسب تعريفات التقرير، دخل الملكية ومبيعات السلع والخدمات والغرامات وبنودا أخرى. تنوع المصادر مهم، لكن فهم تركيب النمو أهم من الاكتفاء بعنوانه.

الإنفاق انخفض في الربع، لكنه زاد خلال تسعة أشهر

المفاجأة أن إجمالي مصروفات الربع الثالث لم يرتفع سنويا، بل انخفض من 358.4 إلى 343.4 مليار ريال، بنحو 4%. لذلك لا تفسر هذه الفترة بعبارة زيادة الإنفاق وحدها. العجز في الربع المماثل من 2025 كان نحو 88.5 مليار ريال، محسوبا بطرح الإيرادات من المصروفات، مقابل 84.3 مليار في الربع الحالي. أي أن عجز الربع تقلص قليلا رغم بقاء الفجوة كبيرة.

لكن صورة الأشهر التسعة مختلفة. ارتفعت الإيرادات التراكمية نحو 3% إلى 858.9 مليار ريال، وزادت المصروفات نحو 8% إلى 1.103 تريليون ريال. هنا بالفعل نما الإنفاق أسرع من الإيرادات. لا تنقل حكم الفترة التراكمية إلى ربع منفرد، ولا تستخدم تراجع إنفاق الربع لإثبات أن إنفاق السنة كلها تراجع.

ومن البنود اللافتة نفقات التمويل: بلغت نحو 25.7 مليار ريال في الربع الثالث بزيادة سنوية 69% وفق التقرير. هذه مصروفات مرتبطة بالتمويل، وليست رقما مساويا لكل الاقتراض الجديد أو لسداد أصل الدين. تزايدها يستحق المتابعة لأنه يستهلك جزءا من الموارد المتاحة لبقية بنود الإنفاق.

العجز ليس هو الدين العام

العجز تدفق خلال فترة: مصروفات أكثر من إيرادات. أما الدين فهو رصيد في تاريخ معين. لا يصح جمع رقم العجز مع رصيد الدين كما لو كانا إنفاقين منفصلين، ولا اعتبار كل إصدار دين جديد زيادة مساوية له في الرصيد النهائي، لأن الاستحقاقات وإعادة التمويل تدخل في الحركة أيضا.

يبين جدول التمويل في تقرير الربع الثالث أن تمويل عجز الأشهر التسعة، البالغ 244.3 مليار ريال، جاء من الدين، مع صفر في خانة التمويل من الاحتياطيات الحكومية. هذه معلومة محددة عن مصادر تمويل العجز في ذلك الجدول، وليست دليلا على أن كل أرصدة الحكومة النقدية لم تتحرك أو أن الاحتياطيات لا تتغير لأسباب أخرى.

والميزانية تعد على أساس محاسبي نقدي كما توضح مقدمة التقرير. لذلك يهم توقيت التحصيل والصرف، وليس مجرد الإعلان عن صفقة أو تسجيل ربح داخل شركة. لهذا أيضا لا تساوي أرباح أرامكو تلقائيا الإيرادات النفطية في الميزانية، ولا يجوز نقل مكسب محاسبي في نتائج الشركة مباشرة إلى خزينة الدولة. من المفيد قراءة شرح نتائج أرامكو بجانب تقرير الميزانية، مع إبقاء حدود كل منهما واضحة.

تجاوز التقدير السنوي لا يحدد نتيجة نهاية العام

بلغ العجز المقدر في الميزانية الأصلية لعام 2026 نحو 165.4 مليار ريال. العجز الفعلي حتى سبتمبر أعلى منه بالفعل. لكن التقدير ليس سقفا قانونيا نقديا يستحيل تجاوزه، كما أنه ليس النتيجة النهائية للسنة. المقارنة تكشف اختلاف المسار الفعلي عن الافتراضات الأصلية، وتدعو لمتابعة ما يستجد في الربع الأخير، ولا تسمح وحدها بالتنبؤ برقمه.

لا نضرب عجز تسعة أشهر في أربعة أثلاث لنعلن عجز العام. توقيت إيرادات النفط والتحويلات والمصروفات والمشروعات قد يجعل الأرباع مختلفة. السؤال الأدق: كيف ستتحرك الإيرادات النفطية وغير النفطية، وأين يتجه الإنفاق، وما تكلفة التمويل؟ ولفهم أحد هذه المحركات يمكن الرجوع إلى شرح كيف يتحدد سعر النفط، دون اختزال الميزانية كلها في سعر البرميل.

كيف نقرأ الأرقام دون تهويل؟

نتائج الربع الثالث تجمع ثلاث صور متزامنة: نمو غير نفطي واضح، وتراجع نفطي أكبر منه بالقيمة، وإنفاق أقل من الربع المقابل لكنه ما زال أعلى من الإيرادات. وعلى مستوى الأشهر التسعة، زادت المصروفات أسرع من الإيرادات وجرى تمويل العجز بالدين بحسب التقرير.

هذه قراءة لبيانات منشورة حتى الربع الثالث من 2026، وليست توقعا للربع الأخير أو توصية استثمارية. عند صدور التحديث التالي، قارن الربع بمثيله، والفترة التراكمية بمثيلتها، وميز بين التقدير الأصلي والنتيجة الفعلية. هكذا يصبح رقم العجز بداية للفهم، لا نهاية للحكاية.


انت الان في اول مقال
reaction:

تعليقات