
السادات وبيغن في حوار جانبي خلال عشاء فندق الملك داود في القدس (المصدر: المكتب الصحفي الحكومي الإسرائيلي عبر ويكيميديا كومنز، CC BY-SA 3.0)
في الحلقة الماضية نقلنا خطاب السادات في الكنيست كما ورد في محضر الجلسة الثالثة والأربعين، من الاستقبال بالتصفيق إلى رد بيغن. واليوم نعود إلى النص نفسه بعين مختلفة: ماذا كان يقول السادات بين السطور، ولماذا رتب أفكاره بهذا الترتيب بالذات، وكيف تحولت كلمات أمسية العشرين من نوفمبر 1977 إلى مفاوضات الإسماعيلية ثم كامب ديفيد.
أولا: لماذا بدأ بالاعتراف؟
لم يفتتح السادات خطابه بالمطالب ولا بالشروط، بل باعتراف غريب في عرف الخطب السياسية: قال إنه لا يلوم من استقبلوا قراره بالدهشة، وإن بعضهم ظنه مناورة كلامية أو تمويها يخفي نية حرب، بحسب النص الإنجليزي المنشور على موقع الكنيست. التحليل هنا مباشر: كان يعرف أن أول حاجز بينه وبين القاعة ليس سياسيا بل نفسي، ففككه بنفسه قبل أن يفككه خصومه. وحكاية المساعد الذي اتصل به في ساعة متأخرة ليسأله عن موقفه لو وصلت الدعوة فعلا، وإجابته «سأقبلها فورا»، لم تكن ارتجالا؛ كانت دليلا معدا سلفا على أن القرار نهائي لا جس نبض. وحين قال إنه لم يستشر أي قائد عربي، كان يقدم للإسرائيليين ورقة قوة بثياب اعتراف: أنا هنا بقراري الشخصي، ومن يملك أن يقرر وحده يملك أن ينفذ وحده.
ثانيا: النفوس الثلاثة كخريطة تفاوض
قبل أن يعرض أي شيء، أغلق السادات ثلاثة أبواب: لا اتفاق منفرد، ولا سلام جزئي، ولا فك اشتباك ثالث، كما يسجل محضر الكنيست وترجمة نيويورك تايمز. في لغة التفاوض هذا لم يكن تشددا بل تسعيرا مسبقا: رفع سقف الصفقة منذ اللحظة الأولى حتى لا تبدأ المفاوضات من منتصف الطريق. ولاحظ الترتيب: نفى الحلول الصغيرة أولا، ثم قدم العرض الكبير «نرحب بكم بيننا بكل أمن وأمان». الرسالة واضحة: السلام الشامل معروض بالكامل، لكنه لا يباع بالتقسيط. ثم وضع حقائقه الخمس التي لا ينكرها أحد، وفي مقدمتها أنه لا يتحدث بلغتين، وهي إجابة استباقية على كل مقال عبري شكك في نواياه في الأسابيع السابقة.
ثالثا: سبعون بالمئة كأداة ضغط
أشهر جملة في الخطاب كانت حسابا سياسيا مقصودا. حين قال إن الحاجز النفسي يمثل سبعين بالمئة من المشكلة، كان يخفض ثمن الحل في أعين سامعيه: لو كانت المشكلة أرضا وجيوشا فقط فالطريق طويل، أما لو كان سبعون بالمئة منها خوفا وشكا فالطريق يبدأ بقرار واحد. وخدم هذا المعنى اختياره الاستشهاد بأمثال سليمان ومزامير داود، وتوقفه عند صدفة التوقيت في عيد الأضحى وإبراهيم «جد العرب واليهود»، بحسب نص الخطاب. كان يبني جسرا من المرجعية المشتركة فوق حاجز الشك الذي وصفه بنفسه. والتصفيق الذي سجله المحضر الرسمي في أكثر من موضع يقول إن الرسالة وصلت داخل القاعة قبل أن تصل خارجها.
رابعا: الثمن مكتوب بلا مساومة
في مقابل الترحيب جاء الفاتورة بلا تجميل: انسحاب كامل من أراضي 1967 بما فيها القدس العربية، والأرض «لا تقبل المساومة ولا الجدل»، والقضية الفلسطينية «جوهر المشكلة ولبها». التحليل المهم هنا هو المقابلة التي صنعها بين بندين: الأرض غير قابلة للتفاوض، لكن الأمن قابل للضمانات. قال نصا إنه يقبل كل الضمانات الدولية التي يتصورها الإسرائيليون ويقبلونها، من القوتين العظميين أو الكبار الخمسة، بشرط أن تحصل مصر على الضمانات نفسها. أي أنه قدم معادلة كاملة: أمنكم مضمون بأثقل ضمانات ممكنة، مقابل أرضنا كاملة بلا نقصان. ولم يكن غريبا أن تختصر تايمز اللندنية المشهد في عنوان واحد: ثمن السلام هو إنهاء الاحتلال.
خامسا: رد بيغن يكشف الهوة
رد مناحيم بيغن بالعبرية، هنأ بالعيد، ومد يده لجيران إسرائيل العرب داعيا إلى مفاوضات، كما يوثق أرشيف مركز مناحيم بيغن. لكنه اتفق مع ضيفه في نقطة واحدة فقط بصورة صريحة: أن أول جدول أعمال السلام إنهاء حالة الحرب. لم يلتقط بيغن في رده عبارة «الانسحاب الكامل» ولا «جوهر المشكلة» الفلسطيني. ولخص مركز ويلسون المشهد بدقة: الزعيمان تحدثا بجرأة عن تجنب الحرب، بينما بدت أهدافهما الأخرى بعيدة المنال مما سمعه كل منهما في خطاب الآخر. بمعنى آخر: اتفق الرجلان على أن لا حرب بعد اليوم، واختلفا على ثمن السلام كله.
من المنصة إلى طاولة المفاوضات
لم تكن كلمات تلك الأمسية نهاية الحكاية بل بدايتها. فبعد أسابيع قليلة، في الخامس والعشرين من ديسمبر 1977، استقبل السادات بيغن في قمة الإسماعيلية، أول لقاء بينهما على أرض مصر، وخرجت القمة بخلافات علنية أكثر مما خرجت باتفاقات، كما يوثق أرشيف مركز بيغن للزيارة. وتعثرت المفاوضات شهورا حتى جمع الرئيس كارتر الرجلين في كامب ديفيد في سبتمبر 1978، حيث وقعا اتفاقيتي الإطار اللتين مهدتا لمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في مارس 1979. ولو عدنا إلى نص الخطاب سنجد أن خريطة الطريق كلها كانت موجودة فيه منذ البداية: السلام الشامل، الضمانات الدولية، والانسحاب الكامل ثمنا. كل ما حدث بعد الخطاب كان تفاوضا على بنوده، لا على فكرته. وهذا هو الدرس الذي تقدمه هذه الأمسية لأي قارئ: أحيانا يكون الخطاب الجريء هو المفاوضات الحقيقية الأولى، وما يأتي بعده مجرد محاضر توقيع.
في الحلقة القادمة ننتقل من القاعة إلى الشارع: كيف استقبل العالم العربي والغربي هذه الزيارة، ومن صفق ومن قاطع. ويمكنك العودة إلى الحلقة الماضية خطاب الكنيست: الرسالة والمفاجأة لقراءة النص الكامل، أو تصفح فهرس سلسلة حكايات حرب أكتوبر.
تعليقات
إرسال تعليق